أبي حيان الأندلسي

222

البحر المحيط في التفسير

الحديث : « النهي عن قتل أربع من الدواب : الهدهد والصرد والنملة والنحلة » ، خرجه أبو داود عن ابن عباس . وروي من حديث أبي هريرة : وتبسم سليمان عليه السلام ، إما للعجب بما دل عليه قولها : وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ، وهو إدراكها رحمته وشفقته ورحمة عسكره ، وإما للسرور بما آتاه اللّه مما لم يؤت أحدا ، وهو إدراكه قول ما همس به ، الذي هو مثل في الصغر ، ولذلك دعا أن يوزعه اللّه شكر ما أنعم به عليه . وانتصب ضاحكا على الحال ، أي شارعا في الضحك ومتجاوزا حد التبسم إلى الضحك ، ولما كان التبسم يكون للاستهزاء وللغضب ، كما يقولون ، تبسم تبسم الغضبان ، وتبسم تبسم المستهزئ ، وكان الضحك إنما يكون للسرور والفرح ، أتى بقوله : ضاحِكاً . وقرأ ابن السميفع : ضحكا ، جعله مصدرا ، لأن تبسم في معنى ضحك ، فانتصابه على المصدرية ، أو على أنه مصدر في موضع الحال ، كقراءة ضاحكا . وَقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي : أي اجعلني أزع شكر نعمتك وآلفه وأرتبطه ، حتى لا ينفلت عني ، حتى لا أنفك شاكرا لك . وقال ابن عباس : أوزعني : اجعلني أشكر . وقال ابن زيد : حرضني . وقال أبو عبيدة : أولعني . وقال الزجاج : امنعني عن الكفران . وقيل : ألهمني الشكر ، وأدرج ذكر نعمة اللّه على والديه في أن يشكرهما ، كما يشكر نعمة اللّه على نفسه ، لما يجب للوالد على الولد من الدعاء لهما والبر بهما ، ولا سيما إذا كان الولد تقيا للّه صالحا ، فإن والديه ينتفعان بدعائه وبدعاء المؤمنين لهما بسببه ، كقولهم : رحم اللّه من خلفك ، رضي اللّه عنك وعن والديك . ولما سأل ربه شيئا خاصا ، وهو شكر النعمة ، سأل شيئا عاما ، وهو أن يعمل عملا يرضاه اللّه تعالى ، فاندرج فيه شكر النعمة ، فكأنه سأل إيزاع الشكر مرتين ، ثم دعا أن يلحق بالصالحين . قال ابن زيد : هم الأنبياء والمؤمنون ، وكذا عادة الأنبياء أن يطلبوا جعلهم من الصالحين ، كما قال يوسف عليه السلام : تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ « 1 » . وقال تعالى ، عن إبراهيم عليه السلام : وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * « 2 » . قيل : لأن كمال الصلاح أن لا يعصي اللّه تعالى ولا يهم بمعصية ، وهذه درجة عالية . وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقالَ ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ ، لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ ، فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقالَ أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ ، إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ ،

--> ( 1 ) سورة يوسف : 12 / 101 . ( 2 ) سورة البقرة : 2 / 130 .